كلود سابا(ناس الغيوان) حالة غنائية مغايرة ومنفردة في المغرب العربي. منذ سنوات اقرأ عن هذه الفرقة في الصحف من دون استماعي لابداعهم الموسيقي. وحلّت المفاجأة من قدوم الصديق الباحث اللغوي والموسيقي فؤاد مليح، الذي حدثني مطولاً عن هذه الفرقة، ووضع بين يدي (سي دي) عن (ناس الغيوان) ومجموعة قصائدهم الغنائية وقد اعدها وأشرف عليها عمر السيد في كتاب مستقل. ووضع مقدمة الكتاب الباحث المغربي (حسن نجمي) وسأنتقي بعض المقاطع من المقدمة التي ترسم صورة واضحة وموجزة عن هذه الفرقة. كتب عنهم أديب المغرب الكبير طاهر بن جلون وشبههم: (بشعراء التروبادور ... وبالمخلصين لشعر جذورهم، ولمآثر الإخاء، ولمتخيل شعب بكامله). وقال عنهم الاديب المغربي ادمون عمران المليح: (ناس الغيوان، مجموعة غنائية لها حضور داخل المغرب وخارجه، مجموعة ما فتئت تثير حماسة الكثيرين وتلهبهم. شيء ما انفجر في هذه الموسيقى وأيقظ، بأصدائه العميقة، روحا طالما ظلت نائمة، خدّرها سيل الاغاني المعسولة، والاغاني المكرورة الآتية من الشرق. هي موسيقى تكفكف الدمع اخيراً، وتجعل المرء يرتمي، روحياً وجسدياً، داخل الايقاع، محمولاً بكلام قوي، ساطع بالتمرد العنيف والناعم في آنٍ، كلام نوستالجي وعاشق للحياة. شيء مثل هذا حصل، من دون شك، مع ميلاد الجاز الاسود في اميركا. تم اللقاء وتواشجت العلاقة بالتراث، بينابيع الابداع الشعبي: حمادشة وكناوة هما منبع الاستلهام).
وقال الباحث الجمالي موليم العروسي ان (ناس الغيوان) لم يتكلموا ابداً لغة العقل بل لغة الجسد. وليست هذه اللغة الجسدية منبثقة فقط من كون اركان التجربة كانوا في الاصل وظلوا في الغالب ممثلين مسرحيين خرجوا من رحم مسرح الطيب الصديقي، بل من البعد الصوفي والروحاني للتعبير الموسيقي الغيواني ذاته. من الايقاع، من المقامات، من الميزان...)
حركة ثقافيةان من يريد الكتابة عن تجربة ومسار مجموعة ناس الغيوان سيكتشف انه بصدد مقاربة مرحلة اساسية من تاريخ المغرب المعاصر. ذلك لان هؤلاء الشباب الذين انبثقوا من عمق الحماسة الشعبية لمغرب السبعينات وحركوا السواكن وألهبوا الروح الجماعية للمغاربة، كانوا في العمق يعبّرون عن حركة ثقافية وفنية جديدة ناهضة ويؤشرون الى بعض من ملامح التحول الجوهري).لقد التقت مصائر شبّان بيضاويين (اي من الدار البيضاء) من الحي المحمدي بالدار البيضاء في بدايات الستينات وهم: بو جميع، العري باطما وعمر السيد، قبل ان يلتحق بهم لاحقاً شبان آخرون تحمسوا للفكرة واستجابوا لأفق المشروع المدهش. نذكر منهم مولاي عبد العزيز الطاهري، علاّل يعلى، ومحمود السعدي الذي ظهر في بدايات التجربة قبل ان ينسحب مبكراً، ليلتحق به الطاهري (حيث ستولد بعد فترة من ذلك مجموعة جيل الجلالة) وسيعزز شاب كناوي من الصويرة اسمه عبد الرحمن قيردش (باكو) المجموعة ويدعم استقرارها، خصوصاً بعد الرحيل الفجائي المبكر لاحد اركانها (بو جميع) في 26 تشرين الاول .1974
أسرة فنيةأسرة فنية تتكون من اربعة أسماء: العربي باطما يعزف على آلة التام - التام، عمر السيد على التامبورين، علال يعلى على البانجو، وعبد الرحمن باكو على الباص. أربعة اصوات. أربعة اجساد امتلكت ذلك النضج الكيميائي الاستثنائي الهادئ حيث تتداخل وتتكامل عناصر الجغرافيا والجغرافيا الثقافية والفنية المغربية العميقة المتمددة. ففي كل صوت او نبرة، وفي كل حركة او إيماءة، كانت تلوح الابعاد العروبية والامازيغية والصحراوية والافريقية لتمنح الجمهور اصدق وأعمق نتيج غنائي مغربي).التحق بمسار التجربة رشيد باطما مواليد (1963) وحميد باطما (1960) بعد رحيل كل من العربي باطما احد مؤسسي (ناس الغيوان) ومحمد باطما احد مؤسسي مجموعة (لمشاهب) ولكن عبد الرحمن باكو انسحب من رحم ناس الغيوان.ناس الغيوان عائلة بدوية انحدرت من فضاءات التاوية، من فضاء الحي المحمدي، اعطت من اصواتها واجسادها ودمها اشياء اساسية للاغنية الغيوانية حيث التقى أفق ابنائها مع آفاق اخرى لعناصر اخرى، صوتية وشعرية وموسيقية ألهبت الحماسة، وحركت الوجدان، وملأت الاعين بالفرح وببريق الامل.
* * *
تجولت الفرقة في المغرب، تونس، الجزائر وفي دول اوروبية عديدة منها: فرنسا، المانيا، هولندا.لماذا لم تصل ناس الغيوان الى دول المشرق العربي?أتمنى على ادارة المهرجانات المحلية استقطاب (ناس الغيوان) وأخص بالشكر الصديق فؤاد مليح الفرنسي المغربي الذي يحمل حضارة المغرب في ضميره ولولا جهوده لما تمكنت من تقديم تحية متواضعة لناس الغيوان.
Tuesday, October 17, 2006
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment